محمد سعيد رمضان البوطي

76

فقه السيرة ( البوطي )

على أساس العقل والمنطق ، والأحكام قائمة على أساس المصالح الدنيوية والأخروية ، وهي مصالح تدرك بالتفكير والتدبّر الذاتي وإن قصر عن إدراكها فهم بعض العقول لبعض العوارض والأسباب . وإذا تبين لك هذا ، أدركت مدى خطورة الخطيئة التي يقع فيها من يطلقون كلمة « التقاليد الإسلامية » على مختلف ما يتضمنه الإسلام من العبادات والأحكام التشريعية والأخلاقية ، إذ من شأن هذه التسمية الظالمة وترويجها ، أن توحي إلى الأذهان أن قيمة السلوك والخلق الإسلامي ليست بسبب كونهما مبدأ إلهيا يكمن فيه سر سعادة البشر - كما هو الحق - وإنما بسبب أن كلّا من النظام والخلق الإسلامي إنما هو عادات قديمة موروثة من الآباء والأجداد ، ولا ريب أن النتيجة القطعية لهذا الإيحاء أن يضيق أكثر الناس ذرعا بهذا الميراث القديم الذي يراد فرضه على المجتمع في عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد . والواقع أن إطلاق هذا الشعار على الأحكام الإسلامية ، ليس في مصدره خطيئة عفوية ، وإنما هو حلقة في سلسلة حرب الإسلام بالشعارات الباطلة والمدسوسة . فالغرض الأول من ترويج كلمة « التقاليد الإسلامية » ، هو أن يؤتى بمعظم نظم الإسلام وأحكامه ، ويسدل فوقها شعار « التقاليد » حتى إذا مر على ذلك زمن ، وارتبط معنى التقاليد بنظم الإسلام وأحكامه في أذهان الناس ، ونسوا أن هذه النظم إنما هي في حقيقتها مبادئ قائمة على أساس ما يقتضيه العقل والبحث السليم ، أصبح من السهل على أعداء الإسلام أن يحاربوه من النقطة التي تنفذ إليها حرابهم وسهامهم . إن جميع ما أتى به الإسلام من نظم وتشريعات ، إنما هو مبادئ والمبدأ هو ما يقوم على أساس من التفكير والعقل ، ويستهدف الوصول إلى مقصد معين ، وإذا كانت المبادئ البشرية قد تخطىء الصواب أحيانا لشذوذ في أفكار أصحابها ، فإن مبادئ الإسلام لا تخطىء الصواب أبدا لأن الذي شرعها هو خالق العقول والأفكار ، وفي هذا وحده دليل عقلي كاف للاقتناع بهذه المبادئ واليقين بوجاهتها وصوابها . إذ لا ريب أن المسلمين إذا استفاقوا ليجدوا معظم مبادئ الإسلام وأحكامه ، كشؤون الزواج والطلاق ، وحجاب المرأة وصيانتها ، وعامة قضايا السلوك والأخلاق ، قد أسبل من فوقه رداء « التقاليد » ، فإن من الطبيعي أن يجدوا بعد ذلك من يدعو إلى نبذ التقاليد والخروج عن أسرها وكسر قيودها ، خصوصا في هذا العصر الذي أصبحت السيادة فيه لحرية الرأي والتفكير .